رئيس التحرير: حسام حسين لبش
مدير التحرير: علي عجمي

د. سمر أبو الخير: تأخر النطق بين الإرث الجيني وتشكيل البيئة

شارك

توضح الدراسات أن تأخر النطق عند الأطفال لا يعود إلى سبب واحد بل نتاج تفاعل عوامل وراثية وبيئية يشكل المسار اللغوي لديهم. وتشير الأبحاث في علم الوراثة العصبية وعلم الأعصاب اللغوي إلى وجود مكون وراثي يساهم في اضطرابات اللغة والتواصل. كما أظهرت دراسات الربط الجيني والدراسات على التوائم وجود جينات مرتبطة بنمو المناطق الدماغية المسؤولة عن المعالجة اللغوية، مثل منطقتي بروكا وفيرنيك. ومع ذلك، تؤكد المعايير العلمية أن الوراثة ليست العامل الحاسم دائماً، فقد توجد استعدادات وراثية لكنها لا تضمن الاضطراب.

التأثير الوراثي والبيئي

وتبرز فكرة التفاعل بين الجينات والبيئة كالمحدد الرئيس للمخرجات اللغوية، فالجينات تضع حدوداً لإمكانات اللغة، بينما تفسح البيئة المجال لتفعيلها. اللغة مهارة مكتسبة تحتاج إلى مدخلات غنية وتفاعل ثنائي بين الطفل وبيئته. وتبرز أمثلة بيئية مهمة كاللغة الموجهة للطفل، وهي أسلوب حديثٍ بطيء وعالٍ بالنبرة مع تكرار وتعبيرات وجهية، وهو ما يعزز الانتباه وتعلم الكلمات. كما تُسهم قراءة القصص والغناء والتحدث مع الطفل أثناء الروتين اليومي في توسيع مخزونه اللغوي.

العوامل البيئية المؤثرة في النطق

في المقابل قد تسهم العوامل البيئية السلبية في بطء تطور النطق، مثل التعرض المفرط للشاشات الذي يحل محل الحوار التفاعلي. كما يعوق نقص التحفيز اللغوي البيئات الصامتة أو عدم وجود حوارات منتظمة بين الأبناء والبالغين. وتشير الدراسات إلى أن الضغوط النفسية والتوتر الأسري يمكن أن تؤثر في استعداد الطفل للتواصل وتعرضه للحرمان الحسي أو الاجتماعي.

التدخل المبكر وخطة العلاج

تعد الاستشارة المبكرة من جانب فريق متخصص من أخصائي النطق واللغة خطوة أساسية لتقييم المهارات الاستقبالية والتعبيرية وتحديد سبب التأخر. كما يُنصح بإجراء فحص سمع لاستبعاد أية مشكلات سمعية، إضافة إلى فحص طبي لدى أطباء الأطفال وأخصائي المخ والأعصاب لاستبعاد أسباب طبية أخرى. اعتماداً على نتائج التقييم، تُوضع خطة علاجية تركّز على ملامة وتطوير المهارات الكلامية من خلال تقنيات مثل النمذجة والتوسيع، وتُشرك الأسرة في تنفيذ الاستراتيجيات بالمنزل. ويؤكد العلاج الفعّال أن يتحول المنزل إلى بيئة شريك داعمة تشجع على التواصل وتفعّل إمكانات اللغة لدى الطفل.

يظل الكلام كامناً عند الطفل، ويحتاج إلى بيئة مناسبة وصبر واعٍ ويد ممدودة لاستدراكه من عالم الصمت إلى عالم التواصل. إن نجاح العلاج يتجسد عندما يتحول المنزل إلى شريك فعال في الرحلة وتتحقق كل لحظة تفاعل كجسر يمر عبره الكلام نحو النور. إن الالتزام المستمر والمتابعة مع المتخصصين يضمنان تحسين المهارات الاستقبالية والتعبيرية وتطوير الطلاقة اللغوية مع الوقت.

مقالات ذات صلة