يتسبب اعتلال الأعصاب الناتج عن مرض السكري في مضاعفات طويلة الأمد لا تقتصر على الإحساس أو الحركة فحسب، بل تمتد أيضًا إلى أجهزة الجسم الداخلية. يبدأ عادةً بأعراض بسيطة مثل التنميل أو الوخز في القدمين ثم قد يتطور ليؤدي إلى فقدان الإحساس وضعف في القدرة على الحركة. يوضح ذلك أن ارتفاع السكر في الدم على المدى الطويل يضر بالأوعية الدقيقة التي تغذي الأعصاب وبالتالي يحد من وصول الأوكسجين والغذاء اللازمين لبقاء الأعصاب سليمين. تزيد احتمالية تطور الاعتلال وتفاقم أعراضه مع طول مدة ارتفاع السكر وعدم ضبطه.
تنقل الأعراض في أشكال متعددة تختلف من شخص لآخر، فغالبًا يشعر المصاب بوخز أو حرقان في القدمين أو اليدين مع احتمال فقدان الإحساس تدريجيًا بالألم أو الحرارة. ويظهر ضعف في العضلات وتراجع في التوازن أثناء المشي، وفي كثير من الحالات يزداد الألم ليلاً بشكل شديد أو يحس كصدمة كهربائية في الأطراف. كما قد ترافقه اضطرابات في الجهاز الهضمي مثل الإمساك أو بطء حركة المعدة، وتغير في التعرق وضغط الدم والرؤية. وفي بعض الحالات لا يصاحب التلف العصبي ألم، وهو ما يجعل اكتشاف الحالة مبكرًا ووقاية المرض من أهم الخطوات.
أنواع اعتلال الأعصاب الناتج عن السكر
الاعتلال الطرفي
الأكثر شيوعًا، إذ يؤثر على الأعصاب الطرفية في القدمين واليدين ويبدأ بتنميل خفيف أو حرقان ثم قد يصل إلى فقدان الإحساس. يبرز ذلك أهمية متابعة القدمين يوميًا لتفادي القرح الناتجة عن فقدان الحس. يساهم الخلل في الإشارات العصبية في صعوبة الإحساس بالألم والحرارة، مما قد يزيد من خطر الإصابات دون أن يلاحظها المريض.
الاعتلال البؤري أو الموضعي
يصيب عصبًا واحدًا أو مجموعة محدودة من الأعصاب في منطقة محددة مثل العين أو الساق أو الجذع، ما يتسبب بألم مفاجئ وضعف موضعي. قد يظهر الألم بشكل حاد ومفاجئ ويختفي تدريجيًا مع مرور الأسابيع أو الأشهر، وتتحسن الوظيفة المعنية حين يبدأ العصب في التعافي. كما قد يرافقه ضعف مؤقت في منطقة الإصابة ويؤثر على القدرة الحركية المحدودة.
الاعتلال الذاتي (اللاإرادي)
يصيب الأعصاب التي تتحكم في وظائف أعضاء الداخلية مثل القلب والمعدة والمثانة، فيحدث اضطرابات في النبض والهضم وضغط الدم. كما قد يسبب دوارًا وضعفًا في توازن الجسم أثناء الوقوف، وتغيرات في الإحساس بالجوع والشبع، وتغيرات في التعرق والتنفس عند الحاجة. هذه الأنواع قد تكون صعبة التقييم لأنها تؤثر في أعضاء متعددة وتظهر بشكل متفاوت بين المرضى.
الاعتلال القريب
يظهر غالبًا في عضلات الورك أو الفخذ أو البطن، ويصيب جهة واحدة من الجسم في البداية قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى الجهة المقابلة. يسبب الألم والضعف في المنطقة المصابة ويؤدي إلى صعوبة في التحرك والتنقل. يوصى بتقييم مبكر لتجنب تفاقم الأعراض وتطورها إلى جانب واحد من الجسم.
الأسباب الكامنة وراء تلف الأعصاب
السبب الرئيسي هو ارتفاع مستوى السكر في الدم على المدى الطويل، حيث تتراكم الجلوكوز في الأوعية الدقيقة التي تغذي الأعصاب وتضعفها وتقل تدفق الدم إليها. مع ذلك تزداد المخاطر في وجود عوامل مثل عدم الالتزام بعلاج السكري، ارتفاع ضغط الدم، زيادة الدهون في الدم، السمنة، قلة النشاط البدني، التدخين، وتاريخ عائلي لمضاعفات السكر. هذه العوامل تسهم في نقص توصيل الأكسجين والغذاء الذي تحتاجه الأعصاب للحفظ على سلامتها.
التشخيص
يعتمد الطبيب على التاريخ المرضي والفحص السريري الدقيق، بما في ذلك اختبارات الإحساس والتحسس وقوة العضلات. وقد يطلب فحوصًا متقدمة مثل اختبار توصيل الأعصاب وتخطيط العضلات الكهربائي لتحديد مدى التلف بدقة. يساهم ذلك في التمييز بين أنواع الاعتلال وتحديد خطة العلاج الملائمة.
العلاج
لا يوجد علاج شافٍ للحالة حتى الآن، لكن يمكن تحقيق تحسن كبير في النتائج عند التشخيص المبكر واتباع خطة شاملة. تعتمد الخطة العلاجية على ثلاثة محاور رئيسية: ضبط مستوى السكر في الدم، وتخفيف الأعراض العصبية، والتعامل مع المضاعفات المصاحبة. يشير ذلك إلى أهمية الاتساق في الرعاية المستمرة واستخدام العلاجات وفق توجيهات الطبيب لضمان أفضل نتائج ممكنة.
يتركّز ضبط السكر في الدم على اتباع نظام غذائي صحي وتناول الأدوية أو الأنسولين وفق ما يوصي به الطبيب، مع متابعة دورية لقياسات الجلوكوز. كما يعتمد ذلك على التزام المريض بالجدول الزمني للوجبات وتعديل الجرعات عند الحاجة، إضافة إلى متابعة أية عوامل تزيد من السكري مثل الضغط والدهون في الدم. يلعب الدعم الطبي والتثقيف المرضي دورًا محوريًا في تحقيق استقرار السكري وبالتالي تقليل وتيرة وشدة الاعتلال العصبي.
لتخفيف الألم وتخفيف الأعراض العصبية تستخدم أدوية مثل مضادات الاكتئاب أو مضادات التشنجات، وتُستخدم مسكنات الألم الشديد فقط تحت إشراف طبي وبأقل جرعة ممكنة وبالتدرج. كما يُراعى تعديل العلاج وفق استجابة المريض وتجنب الإفراط في المسكنات. يهدف هذا المحور إلى تحسين القدرة الوظيفية وتخفيف المعاناة اليومية مع الحفاظ على السلامة العامة للمريض.
أما علاج المضاعفات المصاحبة كاضطرابات المثانة أو ضغط الدم أو مشاكل الهضم فسيكون بإشراف تخصصي وبالتنسيق مع فريق الرعاية الصحية بحسب حالة المريض وإرتيادهم إلى تعديل الأدوية ونمط الحياة وفق الحالة. يتيح ذلك تقليل أعراض المضاعفات وتحسين نوعية الحياة عبر رصد مستمر وتكييف العلاجات مع التغيرات الصحية. يظل الهدف الأساسي هو الحفاظ على توازن صحي بين إدارة الاعتلال العصبي والوقاية من التغيرات السلبية المحتملة في وظائف الأعضاء.
الوقاية من اعتلال الأعصاب السكري
تبدأ الوقاية من الاعتلال العصبي السكري قبل حدوث التلف عبر الالتزام بخطة علاج السكري والمتابعة المنتظمة لمستوى الجلوكوز وممارسة نشاط بدني يومي. كما يُشجَّع على الإقلاع عن التدخين لتقليل عوامل الخطر المرتبطة بتلف الأوعية الدقيقة. إضافة إلى ذلك، يُنصح بفحص القدمين يوميًا للكشف عن أي جروح أو قرح مبكرًا قبل تفاقمها.
تُسهم هذه التدابير في الحفاظ على الإحساس وتوازن الأعصاب وتقليل احتمال حدوث قرح أو التهابات قد تستدعي العلاج المتقدم. كما أن متابعة الطبيب بشكل دوري تتيح تعديل الخطة العلاجية والمحافظة على استقرار مستوى السكر والضغط والدهون في الدم. تجنّب العوامل المسببة يضمن تقليل مخاطر تطور الاعتلال العصبي وتحسين جودة الحياة على المدى البعيد.








