أعلن فريق بحثي دولي عن أداة تقييم متقدمة تعتمد على الفحص العصبي والتصوير الطبي لتحديد من هم الأكثر عرضة للإصابة بالصرع بعد السكتة الدماغية. وتستند الأداة إلى جيل مطور من أنظمة التنبؤ المعتمدة على البيانات السريرية والتصوير العصبي المتقدم، وتُصمم لتكون عملية وسهلة التطبيق في بيئة الرعاية اليومية. وتُتيح الأداة تقدير مخاطر الإصابة بالصرع بشكل دقيق في أطر زمنية تصل إلى عام واحد وخمس سنوات. كما تم توجيه التحديثات نحو تقليل الاعتماد على تقنيات غير متوافرة في جميع المستشفيات وزيادة قابلية التطبيق في الممارسة السريرية اليومية.
فهم أعمق لعلاقة السكتة بالصرع
الصرع الذي يظهر بعد السكتة الدماغية يعد من أكثر المضاعفات العصبية شيوعًا، وغالبًا ما يحدث بعد مرور أسبوع من الحدث الحاد. تشير الإحصاءات إلى أن نحو 4% من المصابين بالسكتة يتعرضون له خلال عام واحد، وتصل النسبة إلى 8% بعد خمس سنوات. بينما تظل النماذج السابقة تعتمد على عوامل سريرية فقط، أظهرت هذه الأداة ميزة الدمج مع مؤشرات التصوير العصبي مثل حجم منطقة الاحتشاء وتحولات النزف المصاحب. لذا تصبح الحدود بين التنبؤ والدقة أكثر اتساقًا وشمولاً.
تطوير الأداة والبيانات الأساسية
قاد فريق بقيادة الدكتور ويليام ليونغ من مستشفى ماساتشوستس العام وجامعة هارفارد قاعدة بيانات واسعة شملت أكثر من 1400 مريض بالسكتة الدماغية الإقفارية لأول مرة. جُمعت معلومات تفصيلية عن حالتهم العصبية وأنواع العلاجات التي تلقوها ونتائج الفحوص التصويرية مع متابعة دقيقة امتدت لأكثر من خمس سنوات. من خلال التحليل الإحصائي حدد الباحثون ستة عوامل رئيسية ترتبط بشكل واضح بخطر الإصابة بالصرع، وهي حجم الاحتشاء وتورط القشرة الدماغية ووجود نزف ثانوي ووقوع نوبات مبكرة خلال الأسبوع الأول وإصابة الشريان الدماغي الأوسط والعمر الأقل من 65 عامًا. وبناءً على هذه العوامل طوروا نموذجًا رياضيًا يمنح المريض درجة محددة تترجم إلى احتمال الإصابة بالصرع خلال عام واحد أو خمسة أعوام.
اختبار دولي ونتائج دقيقة
لم تقتصر البيانات على المرضى في الولايات المتحدة بل جرى اختبار النموذج في مجموعات مستقلة من هونغ كونغ واليابان شملت أكثر من 2500 شخص. أظهرت النتائج تقاربًا واضحًا في الأداء، وهو ما يؤكد قدرة الأداة على التنبؤ عبر اختلافات جغرافية وعرقية. وبلغ معامل الدقة (c-statistic) أكثر من 0.85، وهو مستوى عالٍ في الدراسات الإكلينيكية ويعكس موثوقية عالية للنموذج في التنبؤ بخطر الإصابة بالصرع بعد السكتة.
مزايا مقارنة بالنماذج السابقة
تفوق هذه الأداة على النماذج التقليدية لأنها تستند إلى مؤشرات موضوعية قابلة للقياس مثل حجم التلف الدماغي ووجود النزف المصاحب، ولا تتطلب تخطيطًا كهربائيًا للدماغ ما يجعل استخدامها ممكنًا في المستشفيات التي تفتقر إلى هذا النوع من الفحوص. كما أظهر العمل أن العمر الأصغر قد يكون عامل خطر بالارتباط مع قدرة الدماغ على التجدّد واليقظة العصبية، وهو ما يفسر زيادة مخاطر النوبات عند الفئات الشابة مقارنة بالتوقعات السابقة. وتلمح النتائج إلى أن إدراج عوامل إضافية مثل الاستجابات العصبية والتغيرات البيولوجية قد يعزز من دقة التنبؤ في المستقبل.
الاستخدامات السريرية المحتملة
يمكن للأطباء، بفضل هذه الأداة، تحديد المرضى الذين يحتاجون إلى مراقبة دقيقة مبكرة أو استخدام أدوية مضادة للصرع بشكل وقائي قبل ظهور نوبات متكررة. كما يفتح الباب أمام دراسات أوسع لاختبار دمج المؤشرات الحيوية مثل أنماط تخطيط الدماغ التحليلية أو التحاليل الجينية في المستقبل. يشير الخبراء إلى أن المرضى الذين لديهم درجة مرتفعة مع وجود نوبة مبكرة قد يستفيدون من بدء العلاج الدوائي الوقائي قبل تطور النوبات الحادة.
وجهة نظر الخبراء
أشاد باحثون من جامعات أكسفورد وبنسلفانيا ببساطة ووضوح الأداة الجديدة، معتبرين إياها خطوة حقيقية نحو تحويل البيانات العصبية إلى قرارات طبية أكثر وعيًا. كما أشاروا إلى ضرورة متابعة التأثيرات الجانبية المحتملة لبعض العوامل كالنزيف الثانوي بعد علاجات إذابة الجلطات، مع التأكيد على أهمية فهم المخاطر الشاملة بما فيها ارتفاع ضغط الدم واضطرابات السكر في الدم كجزء من خطة رعاية متكاملة. وتؤكد هذه الرؤى أن دمج التحليلات العصبية في الممارسة السريرية يمكن أن يعزز رعاية مرضى السكتة بشكل فردي.
آفاق البحث المستقبلي
رغم النجاح في إثبات الدقة، يُشار إلى وجود قيود تتعلق باختلاف بروتوكولات علاج السكتة بين الدول وحجم العينات في فئات مثل المرضى الأصغر سنًا. كما أُشير إلى ضرورة استمرار الدراسات حول العوامل الوراثية والبيئية التي قد ترفع احتمالية النوبات بعد السكتة. مع ذلك تظل الأداة خطوة كبيرة نحو تطبيق الطب الدقيق في طب الأعصاب، حيث تجمع بين سهولة الاستخدام والدقة العالية في التنبؤ وتفتح آفاق لتخصيص الرعاية وفقًا لاحتياجات كل مريض.








