ترسّخ دولة الإمارات مكانتها كوجهة اقتصادية رائدة على المستويين الإقليمي والعالمي، مدفوعة بسياسات مرنة ورؤية استراتيجية تستند إلى استقطاب الكفاءات وتعزيز جودة التوظيف، وهو ما ينعكس بوضوح في الأداء المتنامي لسوق العمل، الذي يشهد تطوراً نوعياً في تركيبته ومستوى المهارات العاملة فيه، بالتوازي مع اتساع رقعة القطاعات الحيوية الداعمة للاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار، أظهرت أحدث بيانات وزارة الموارد البشرية والتوطين تسجيل القوى العاملة الماهرة نمواً بنسبة 6.3% خلال عام 2025، في مؤشر يعكس نجاح الدولة في توفير بيئة عمل جاذبة ومحفزة، ورفع مستوى التخصص في الوظائف، بما يدعم مرونة واستدامة سوق العمل في ظل المتغيرات المتسارعة إقليمياً وعالمياً.
الكفاءات المهنية
ويؤكد هذا النمو التصاعدي في الكفاءات المهنية تزايد الطلب على الوظائف التي تتطلب مؤهلات علمية وقدرات فنية عالية، لا سيما في القطاعات ذات الطابع الاستراتيجي مثل التكنولوجيا والصحة والتعليم والقطاع المالي، كما يعكس هذا التحول انتقال سوق العمل الإماراتي إلى نموذج يقوم على الكفاءة والتخصص، ويستند إلى الاستثمار في رأس المال البشري المؤهل.
ولم يقتصر نمو الكفاءات المهنية والوظائف المهارية على العاملين من فئة الذكور، بل شكل حضور المرأة أيضاً أحد أبرز ملامح التغيير في سوق العمل، حيث أظهرت الإحصاءات أن النساء يشكلن 27.4% من إجمالي القوى العاملة الماهرة، وهو ما يشير إلى تحول نوعي في أنماط التوظيف، وإدراك متزايد لدور المرأة كشريك فاعل في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويظهر هذا التقدم بوضوح في القطاع الصحي، الذي تستحوذ النساء على 66.5% من وظائفه، ما يعكس تفوقاً نوعياً في أحد أكثر القطاعات أهمية، ويعزى هذا التميز إلى بيئة العمل المحفزة، وتوفر فرص التدريب والتأهيل، إلى جانب إقبال الإناث على التخصصات الطبية والمهن الصحية المساندة.
وفي القطاع التعليمي، سجلت المرأة حضوراً كبيراً، إذ تشكل 74.3% من إجمالي العاملين فيه، ما يؤكد دورها المحوري في بناء رأس المال البشري والنهوض بالمنظومة التعليمية، وتمتد مساهمتها إلى مجالات الإدارة التربوية، وتطوير المناهج، والإشراف الأكاديمي، ما يعزز استدامة الحضور النسائي في هذا المجال الحيوي.
وفي تطور لافت، شهد قطاع التكنولوجيا والمعلومات نمو مشاركة المرأة، حيث بلغت نسبتها 37.9% من العاملين في هذا القطاع، ما يشير إلى نجاح السياسات الوطنية الهادفة إلى تمكين المرأة رقمياً، وكسر الصورة النمطية المرتبطة بالمجالات التقنية، وتمكينها من المساهمة في قطاعات الابتكار والتقنيات المتقدمة.
وتعتمد وزارة الموارد البشرية والتوطين التصنيف المهني الإماراتي، الذي يضم 725 مهنة موزعة على 9 مستويات مهنية، وتُصنَّف ضمن 5 مستويات مهارية رئيسية، ويُعد العامل ماهراً إذا كان يحمل مؤهلاً أعلى من الثانوية العامة، بشرط أن تكون الشهادة معتمدة من الجهات المختصة، وألا يقل راتبه الشهري عن 4000 درهم وفق عقد العمل.
النظام المهني والتصنيف المهني
ويهدف هذا التصنيف إلى إرساء نظام مهني شامل يدعم التوجيه الوظيفي، ويسهم في توفير قاعدة بيانات دقيقة تسهّل عمليات التخطيط لسوق العمل على المدى الطويل، إلى جانب تعزيز الشفافية في التوظيف، وتحديد المسارات المهنية المناسبة للعاملين في القطاع الخاص.
وتؤكد هذه المؤشرات مجتمعة أن سوق العمل الإماراتي يشهد تحولا جذرياً نحو نموذج يعتمد على المهارات والتخصصات، بعيدا عن الأساليب التقليدية، كما يعكس هذا التحول التزام الدولة بأهداف التنمية المستدامة، لاسيما فيما يتعلق بتمكين المرأة، وزيادة نسبة العاملين من أصحاب الكفاءات في القطاع الخاص.
ويعزز هذا التوجه قدرة القطاع الخاص على الإسهام الفاعل في النمو الاقتصادي، وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، مما يرسخ مكانة الإمارات كوجهة عالمية للعيش والعمل والاستثمار، وقبلة للمواهب من مختلف أنحاء العالم.
تحوّل سوق العمل نحو المهارات والتخصصات
تؤكد هذه المؤشرات أن سوق العمل يتقدم نحو نموذج مركّز على الكفاءة والتخصص، بما يسهم في بناء قاعدة قوية من الموارد البشرية الوطنية وتوجيهها نحو وظائف استراتيجية ومستقبلية.
ويظل هدف الدولة تعزيز مشاركة الكفاءات الوطنية في القطاع الخاص وتطوير بيئة عمل جاذبة، ما يحقق استدامة النمو الاقتصادي ومرونة سوق العمل أمام المتغيرات المحلية والدولية.
الخلاصة والتطلّعات
تدفع هذه الرؤية إلى مزيد من الاستثمار في رأس المال البشري وتطوير مهارات القوى العاملة، بما يعزز قدرتها على المنافسة عالمياً، ويجعل الإمارات وجهة مفضلة للعيش والعمل والاستثمار ومصدراً للمواهب من مختلف أنحاء العالم.








