رئيس التحرير: حسام حسين لبش
مدير التحرير: علي عجمي

د. سمر أبو الخير: علاج التوحد بالـ AI.. كيف تتكلم الخوارزميات بدل الطفل؟

شارك

تواجه الأم صمت طفلها كإشارة سؤال يتكرر يوميًا: متى سيتكلم ابني؟ تؤكد تجارب الأسرة أن غياب النطق ليس مجرد تأخر لغوي بل تجربة تمس قلب الأسرة وتفرض على الأم مواجهة الخوف والانتظار والأمل الذي لا ينطفئ. مع التقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي يثار سؤال حول قدرة التكنولوجيا على توفير وسيلة تعبير للطفل وطمأنة الأم قبل صدور الكلمة. فالاضطراب النمائي العصبي المرتبط بالتوحد يؤثر في طرق التواصل واللغة، وتوضح الدراسات أن مهارات التواصل تتفاوت بين الاستيعاب التعبيري والتقليد الصوتي والسياق الكلامي، ما يستدعي أدوات تقييم دقيقة ومقاييس تربوية-نفسية لفهم عمق المشكلة.

أفاق الذكاء الاصطناعي في التوحد

تشير مراجعات بحثية حديثة إلى أن تقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق يمكن استخدامها في تحليل بيانات سلوك الأطفال المصابين بطيف التوحد، بما في ذلك الأصوات والحركات والانتباه. وتتيح هذه النماذج قياس التقدّم وتعديل برامج التدخل بناءً على بيانات الطفل الفردية، بما يسمح بتتبع تطوره خطوة بخطوة. وتوفر هذه المنهجية إطارًا عمليًا يميّز بين الحالات ويستجيب للفروق بينهم بدل الاعتماد على مسار واحد للجميع. كما تُظهر النتائج أن التحويل من إشارات صمت إلى دلالات تواصل قابلة للتفسير يصبح ممكنًا أكثر بفضل التفاعل مع هذه الأنظمة.

دراسة علمية صادرة عن كلية التربية للطفولة المبكرة بجامعة القاهرة أكدت فعاليات برامج تعتمد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحسين السلوك اللغوي لدى عينة من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، وأشارت التحليلات إلى زيادة ملحوظة في مستوى السلوك اللغوي بعد تطبيق البرنامج، وهو ما يعزز الثقة بأن هذه التقنيات يمكن أن تكون جزءاً من التدخلات الواقعية. غير أن هذه النتائج لا تعني الاستغناء عن الأخصائيين، بل تمثل إضافة تثري أدوات المتابعة والتقييم وتخصيص التدخل وفق خصوصية كل طفل. تشير الدراسات إلى أن التكرار المنظم للتفاعل مع الأجهزة الرقمية يزيد من استجابة الطفل على المدى الطويل ويعزز المهارات اللغوية والإدراكية والتواصلية، لكنها تبقى جزءًا من منظومة تدخل كاملة لا تعوّض الخبرة البشرية.

مع ذلك، تظل المسؤولية الأساسية في يد الأخصائيين البشريين حاضرة بقوة، فالتكنولوجيا ليست بديلًا عن التخاطب أو المعالجة النفسية، بل شريك يساعد في تحليل البيانات التي يصعب جمعها يدويًا وتقديم رؤى مبنية على كم هائل من المعلومات. إن دور الذكاء الاصطناعي هنا هو فتح أبواب فهم جديدة لقدرات الطفل وتوجيه التدخلات وفقًا لنماذج دقيقة تتعلم من التكرار وبيانات الصوت والحركات واستجابات الطفل. كما أن أنظمة التواصل البديل والمعزز الذكي التي تستخدم توقعات الكلام والإيماءات تحول الاختيارات البصرية على الشاشات وتغيرات الصوت إلى ما يشبه لغة مفهومة، وتواصل كأنه لغة تساند الطفل في مسار تواصله.

خلاصة الأمر أن ما يقدمه الذكاء الاصطناعي في علاج تأخر النطق لدى الأطفال ذوي طيف التوحد ليس فرض لغة تقعيدية من آلة، بل نافذة علمية تتيح للطفل التعبير بطرق ربما كانت مستحيلة أو بطيئة قبل دخول هذه التكنولوجيا. تلتقي المعارف من علوم الأعصاب والتعلم الآلي والتربية الخاصة في إطار يفتح أمام الأسرة علاجًا للمستقبل يبدأ اليوم في المختبرات البحثية ويدخل قريبًا إلى حياة الأطفال والأسر التي تنتظر صوتًا يفهمها.

مقالات ذات صلة