تشير البيانات الطبية إلى أن اضطرابات الشم تصيب ملايين الأشخاص حول العالم، وكانت موجودة قبل جائحة كورونا لأسباب متعددة، مثل العدوى الفيروسية الموسمية، وإصابات الرأس، والتقدم في العمر، وأمراض الجهاز العصبي. إلا أن تفشي كورونا غيّر المشهد، حيث ارتفعت حالات فقدان الشم بدرجات مختلفة. يلاحظ المرضى أن فقدان الشم قد يكون كاملاً أحياناً، أو جزئياً، أو يتبدل الإحساس تدريجياً بين الروائح المعروفة. كما قد يواجهون صعوبات في اكتشاف المخاطر مثل تسرب الغاز أو فساد الطعام بسبب غياب الإشارات الشمية.
أسباب واضطرابات الشم
تشير الدراسات إلى أن اضطرابات الشم كانت موجودة قبل الجائحة لأسباب متعددة، بما في ذلك العدوى الفيروسية الموسمية وإصابات الرأس والتقدم في العمر وأمراض الجهاز العصبي. ومع تفشي الفيروسات وتغير الأنماط الحياتية، ارتفع انتشار خلل الشم بدرجات متفاوتة بين السكان. وتؤكد المراجعات العلمية أن السبب ليس فيروسياً فحسب، بل قد يتصل بتلف الخلايا العصبية المسؤولة عن استشعار الروائح أو ضعف قدرتها على التجدد.
عندما يختفي الشم فجأة
يواجه بعض المرضى فقداناً كاملاً للشم بعد عدوى فيروسية بسيطة، بينما يحافظ آخرون على قدرة جزئية في تمييز الروائح. وتظهر فئة ثالثة تشوهاً في الإحساس، حيث تتحول الروائح المألوفة إلى روائح منفّرة أو غير منطقية. ولا يقتصر الأثر على الإزعاج فحسب، بل قد يؤدي إلى العزلة والقلق المستمر، خاصة مع صعوبة اكتشاف المخاطر اليومية.
أبعاد نفسية وسلوكية خطيرة
تشير البيانات الطبية إلى أن ضعف الشم يرتبط بارتفاع معدلات الاكتئاب واضطرابات الشهية وتراجع الاستمتاع بالحياة اليومية. كما تزداد احتمالات التعرض للحوادث المنزلية نتيجة غياب الإشارات المرتبطة بروائح التحذير من الغاز أو الطعام الفاسد. هذه النتائج تدفع الأطباء إلى اعتبار فقدان الشم حالة تستدعي المتابعة والعلاج المستمرين بدلاً من كونها عرضاً عابراً.
خيارات علاجية وتحدياتها
رغم الاعتماد الواسع على العلاجات المضادة للالتهاب والمكملات الغذائية بعد الجائحة، أظهرت الدراسات الحديثة محدودية كفاءتها في تحسين وظيفة الشم على المدى المتوسط والطويل. ويرجع ذلك إلى أن المشكلة ليست الالتهاب فحسب بل ضرر الخلايا العصبية المسؤولة عن استقبال الروائح أو ضعف قدرتها على التجدد. وتظل النتائج متباينة بين المرضى وتختلف بحسب السبب الأساسي لفقدان الشم.
تدريب الشم: إعادة تنشيط الدماغ
أحد الأساليب العلمية المعتمَدة هو تدريب الشم، وهو نهج يعتمد على تعريض المريض لروائح قوية بشكل منتظم لفترات طويلة. يهدف التدريب إلى تحفيز الدماغ لإعادة بناء المسارات العصبية المرتبطة بالشم، وهو ليس علاجاً سريعاً بل وسيلة لتعزيز التعافي على المدى الطويل. يظهر من النتائج أن بعض المرضى أحرزوا تحسنًا ملحوظاً عند الالتزام به لعدة أشهر.
البلازما الغنية بالصفائح
من الاتجاهات العلاجية الحديثة استخدام البلازما الغنية بالصفائح الدموية، وهي آلية تعتمد على مكونات مأخوذة من دم المريض نفسه لتسريع ترميم الأنسجة المتضررة. تشير الأدلة إلى أن حقن البلازما في المناطق المرتبطة بالشم قد يساعد بعض المرضى، خصوصاً من فقدوا الحاسة بعد عدوى فيروسية، في استعادة جزء من قدرتهم الشمية خلال فترة زمنية معقولة. وتظل هذه النتائج مبدئية وتختلف بين الحالات.
التحفيز الكهربائي
تتيح تقنيات التحفيز العصبي الحديثة استخدام نبضات كهربائية خفيفة لتحفيز مناطق محددة في الدماغ أو الأعصاب المرتبطة بالشم. يستهدف التدخل تعزيز الاتصالات العصبية وتقييمه جارٍ بشكل مطرد، وهو ليس خياراً ثابتاً ولكنه أظهر تحسنًا ملحوظاً لدى بعض الحالات التي لم تستجِب لخيارات أخرى. يظل تقييمه في إطار الدراسات والتجربة السريرية.
أبحاث المستقبل
يواصل الباحثون تطوير حلول أكثر تقدماً تشمل الخلايا الجذعية العصبية وتقنيات زرع أجهزة دقيقة لتحفيز مراكز الشم في الدماغ. رغم أن هذه الابتكارات لا تزال في مراحلها الأولى، فإنها تعكس رؤية نحو معالجة اضطرابات الشم كحالة قابلة للعلاج وليست قدرًا دائمًا. تتطلب هذه التطورات إجراء المزيد من الدراسات السريرية والتقييم الأخلاقي والتقني.








