تؤكد الدراسات الحديثة أن تكون الإصابات بنزلات البرد المتكررة ليست مجرد مسألة تعرض للفيروس، بل ترتبط بتنوع المجتمعات الميكروبية في الفم والأمعاء وكيفية استجابتها للمهاجمين. وتوضح أن بعض الأشخاص يظهرون أعراضًا أكثر حدة أو تكرارًا رغم وجود الفيروس نفسه. كما تشير إلى أن الفروقات في الاستجابة المناعية قد تعود إلى توازنات ميكروبية محددة وليست مجرد عامل بيئي. وتؤكد النتائج أن الاتصال القوي بين الأمعاء والرئة يوجه الاستجابة المناعية وتحدد شدة المرض.
المحور المعوي-الرئوي
تُظهر الأبحاث أن الأمعاء هي أكبر تجمع للخلايا المناعية وتشكّل ساحة تدريب رئيسية لاستجابات الجسم للجراثيم، حيث تتفاعل البكتيريا الموجودة على بطانة الأمعاء مع هذه الخلايا بشكل دائم لتعليمها متى تهاجم ومتى تتوقف. وتنتج بعض أنواع البكتيريا أحماضًا دهنية قصيرة السلسلة مثل البيوتيرات والبروبيونات التي تتدفق عبر الدم لتهدئة الالتهاب، بما في ذلك الالتهاب الرئوي. ويُشار إلى أن محور الأمعاء والرئة يتيح للبكتيريا المعوية تنبيه الجهاز التنفسي بشكل مباشر، حيث يساهم التنوع الأعلى في تعزيز الاستجابة الصحيحة وتقليل الالتهاب. وتظهر الدراسات أن نقص التنوع البكتيري المعوي يرتبط بفترات إقامة أطول في المستشفيات ومعدلات مضاعفات أعلى عند الإصابة بفيروسات الجهاز التنفسي، وهو ما يعني أن الأمعاء تتحكم في طريقة استجابة الجسم تجاه عدوى التنفس بأكملها.
الفم كمسرح المعركة
يواجه الفم مسببات الأمراض التنفسية أولاً، حيث يستضيف اللعاب والطعام الداخلين إلى الفم بيئات ميكروبية كثيفة تتنافس فيها سلالات مفيدة مع سلالات قد تكون ممرضة. وتنتج هذه المجتمعات مركبات مضادة للميكروبات تحافظ على سلامة سطح الغشاء المخاطي وتقلل من قدرة مسببات الأمراض على التكاثر. وتؤدي الوجبات الخفيفة السكرية المتكررة إلى تغذية الكائنات الحية الحمضية التي تهاجم المينا وتزاحم البكتيريا الوقائية. كما أن التنفس عبر الفم، خاصة في حالات انسداد الأنف المزمن، يجفف الأسطح ويُفضل نمو البكتيريا اللاهوائية المسببة للمشكلات. وتؤثر العادات مثل التدخين على الأنسجة وتدفع المجتمع الميكروبي نحو أنواع أكثر التهابًا. وتقلل بعض الأدوية الشائعة مثل مضادات الهيستامين من تدفق اللعاب، مما يضعف آليات التنظيف والدفاع في الفم.
بداية الحياة وتكوين المناعة
تبدأ القصة قبل الولادة بعدة سنوات، فالأطفال الذين يولدون بعملية قيصرية قد لا يحصلون على البكتيريا المفيدة التي تنتقل عبر الولادة الطبيعية. وقد تقضي دورات المضادات الحيوية المبكرة على هذه البكتيريا قبل أن تتشكل المناعة بشكل كامل. كما أن الأطفال الذين يفتقرون إلى تنوع ميكروبي في الأمعاء غالبًا ما يعانون من التهابات الأذن ونزلات البرد بشكل متكرر، وتكون لديهم مستويات أعلى من البكتيريا الفموية التي قد تكون ممرضة. وبحلول سن البلوغ يظهر نمط مميز، حيث يعاني بعض الأفراد من نزلات برد متكررة في الشتاء بينما يظل آخرون أقل تأثرًا.
العادات اليومية لتعزيز جهازك المناعي
تلعب العادات اليومية دورًا في استجابة الجهاز المناعي عند مواجهة الفيروسات، وتبرز عدة عوامل قد تضعف دفاعات الجسم ضد الميكروبات. وتؤثر الأنظمة الغذائية التي تفتقر للخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة في تجويع البكتيريا المخمرة للألياف. كما أن المواد الغذائية عالية الدهون والسكر تميل إلى تعزيز أنواع تؤدي إلى التهاب منخفض الدرجة وتقلل التنوع الميكروبي. وتؤثر مستويات الكورتيزول المرتفعة على ميكروبات مفيدة، وتؤدي قلة النوم إلى تعطيل الإيقاعات البيولوجية للمجتمعات الميكروبية. إضافة إلى ذلك، يساهم قلة النشاط البدني في تقليل حركة الأمعاء والدورة الدموية، مما يحد من التنوع الميكروبي مع مرور الوقت.
الخلاصة
تشير النتائج إلى أن تعزيز صحة المجتمعين المعوي والفموي عبر أسلوب حياة صحي قد يقلل من وتيرة النزلات ويخفف من حدة الأعراض عند الإصابة بالعدوى الفيروسية. وتؤكد الصورة أن صحة الأمعاء والفم تشكل ركيزة أساسية للمناعة، وأن العناية بهما يمكن أن يحسن الاستجابة التنفسية بشكل عام. وتدفع هذه الروابط إلى تبني عادات غذائية غنية بالألياف، ونوم كافٍ، ونشاط بدني منتظم، كعوامل تدعم التنوع الميكروبي وتوازن المناعة على المدى الطويل.








