تشير التقارير إلى تحوّل حاد في مسارات مهنية لناس كانوا يعملون في وظائف مكتبية مستقرة، بعدما بدأ الذكاء الاصطناعي يزاحمهم في صميم أعمالهم. وتوضح أن الوظائف المهنية، خصوصاً في القطاعات الإدارية والمالية والقانونية، أصبحت أكثر عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي. كما أشار تقرير صدر عام 2023 عن وزارة التعليم البريطانية إلى تغيّرات مرتبطة بمستقبل العمل في ضوء التطور التكنولوجي، مع إبراز ضرورة إعادة النظر في المسارات التعليمية والمهنية.
قصص تحوّل واقعية
كاتبة تتخلّى عن حلم الطفولة
عُرض عليها العمل كمحرّرة لمحتوى ينتجه الذكاء الاصطناعي فخُفّض أجرها إلى النصف بحجة أن التحرير أسرع من الكتابة من الصفر، غير أن الواقع كان مختلفاً. كانت تقضي وقتاً في تدقيق الحقائق وتبيّن أن نحو ستين في المئة من المحتوى يحتوي معلومات مختلقة، ما جعل العمل يستغرق أربع ساعات مقابل نصف الأجر. بحلول بداية 2025 لم تعد قادرة على تحمل تكاليف التأمين الصحي، فقرّرت الاعتماد على قرض دراسي وتقييم مسار مهني بديل. أدركت أن الكتابة لم تعد خياراً قابلاً للاستمرار.
تحوّل إلى العلاج النفسي
جاكلين بومان من كاليفورنيا قرّرت إعادة التدريب لتصبح معالجة أسرية وزوجية، معترفة بأن المجال ليس محصناً ضد الذكاء الاصطناعي، لكن ترى أن الطلب على المعالجين البشر سيبقى. تعتمد حالياً على دعم زوجها وبعض الأعمال المتفرّقة وتستخدِم القروض الدراسية لتعزيز دخلها. لم تكن العودة إلى الدراسة خياراً سهلاً لكنها تلاحظ فرصة جديدة في هذا المسار رغم العثرات، وتؤكد أنها ممتنة للفرصة لكنها لم تكن لتختاره لولا تراجع مهنتها الأصلية.
محرّرة أكاديميّة تتحوّل إلى خبّازة
جانيت فينسترا، محرّرة أكاديميّة في مالمو، لمحت تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تحرير الأبحاث فقررت تغيير المسار. التحقت بمدرسة للطهي، وتخلّت عن العمل التحريري من أجل مهنة حرفية أكثر استقراراً. واجهت صعوبات مالية وتبدّلت شروط العيش؛ انتقلت هي وابناها إلى سكن أضيق وتعايشت مع شريكها في شقة صغيرة خلال فترة التدريب. الآن تعمل في مخبز يدوي وتصف التجربة بأنها ممتعة لكنها متعبة مالياً، وتؤكّد أن التحول يعيد تعريف مكانة الفرد الاجتماعية.
إقبال متزايد على المهن الحرفية
أنجيلا جويس، الرئيسة التنفيذيّة لكليّة كابيتال سيتي في لندن، تؤكّد تزايد الإقبال على التخصّصات الحرفية مثل الهندسة وفنون الطبخ ورعاية الأطفال، وتشير إلى تحوّل واضح بعيداً عن المسار الأكاديمي التقليدي. تربط ذلك بارتفاع بطالة الخريجين وبحثهم عن وظائف يصعب أتمتتها باستخدام التكنولوجيا الحديثة. وتبرز أن الوظائف في القطاعات الحرفية تظلّ أكثر مرونة حتى الآن أمام تغيّرات سوق العمل، ما يجعلها خياراً يستحق الاهتمام في المرحلة الراهنة.
من الصحة والسلامة إلى الهندسة الكهربائية
ريتشارد، متخصص في الصحة والسلامة المهنية في نورثهامبتون، أمضى 15 عاماً في مجاله ثم قرّر إعادة التدريب ليصبح مهندساً كهربائياً. لاحظ أن استخدام الذكاء الاصطناعي بدأ يظهر في كتابة السياسات وإجراءات السلامة، وأن وظائـفاً روتينية معتمدة على بيانات تعرّضت للأتمتة. تراجع دخله بشكل كبير وتوقّع أن يستغرق خمساً إلى عشر سنوات لاستعادة مستواه السابق، مع إشارة إلى أن المهن التي تتطلب مهارة يدوية عالية ما زالت تبدو أكثر صموداً في الوقت الحالي.
هل المهن اليدويّة في مأمن؟
كارل بنيديكت فري، أستاذ مشارك في جامعة أكسفورد ومتخصّص في الذكاء الاصطناعي والعمل، يؤكّد أن الأعمال اليدوية أصعب في الأتمتة، ولكنه يتوقّع تأثيراً واسعاً للتكنولوجيا على مختلف القطاعات. يشير إلى أن الأفراد يستطيعون إصلاح بعض الأعطال المنزلية باستخدام نماذج لغوية، ما قد يقلّل الطلب على بعض الخدمات. وعلى الرغم من ذلك، يحذّر من اتخاذ قرارات مهنيّة بناءً على سيناريوهات مستقبلية افتراضية فحسب، فالدراسات الحالية تشير إلى أثر أوضح على الوظائف المبتدئة وتبقى عوامل أخرى كالتعافي الاقتصادي وأسعار الفائدة عوامل مؤثرة.
سوق عمل يعيد تشكيل نفسه
ما يحدث اليوم لا يقتصر على فقدان وظائف فحسب، بل يعكس إعادة تشكيل واسعة لسوق العمل حيث كانت المسارات المكتبية المستقرة تواجه ضغوطاً غير مسبوقة وتزداد المهن التي تعتمد على التفاعل البشري جذبا. وتبرز مؤشرات على ارتفاع الاهتمام بالمهن الحرفية وتلك التي تتطلب مهارات يدوية في مجالات مثل الهندسة والطبخ والرعاية، مع وجود تضحيات مالية واجتماعية يتطلبها التحول. تُظهر الصورة أن الأفراد يعيدون تقييم مهاراتهم وخياراتهم المهنية في ظل تسارع التطور التكنولوجي، وصولاً إلى مرحلة تشهد فيها سوقاً أكثر مرونة ولكنه أيضاً أكثر تقلباً.








