دور المدرسة والأسرة في سنة أولى صيام
دخل أول يوم من شهر رمضان إلى تجربة مختلفة يعلن فيها الأطفال رغبتهم في الصيام للمرة الأولى، فتصبح اللحظة حافلة بالحماس والفخر والتقليد والرغبة في إثبات الذات، وبهذا تكون «سنة أولى صيام» ليست مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل تجربة تربوية متكاملة تحتاج إلى إدارة واعية من الأسرة ودعم تربوي من المدرسة، حتى تتحول إلى ذكرى إيجابية تعزز ثقة الطفل بنفسه، وتجنبه أن تتحول إلى عبء يؤثر في صحته أو في تحصيله الدراسي.
يؤكد تربويون واختصاصيون أن «سنة أولى صيام» ليست اختباراً لقدرة الطفل، بل مرحلة تربوية تحتاج إلى وعي وتدرج، فتصير المدرسة رائدة في التوعية والدعم داخل الصف، في حين تتحمل الأسرة مسؤولية التهيئة والمتابعة لضمان سلامة التجربة وتوازنها.
يتحول التطبيق الأول للصيام من مجرد محاولة إلى خطوة مهمة في بناء شخصية الطفل، فهو يرسخ لديه الوعي بهمّه وشعوره بالانتماء ويعزز قيم الشهر الفضيل، لتبقى هذه الذكرى الأولى محفورة في ذاكرته كبداية رحلة مليئة بالثقة والفخر.
وتؤكد مدارس الإمارات أن السنوات الأولى من الصيام تشكّل مرحلة تأسيسية في بناء وعي الطفل الديني والسلوكي، وتستدعي تهيئة البيئة التعليمية والتواصل المستمر مع أولياء الأمور لضمان تجربة متوازنة تراعي الاحتياجات الجسدية والنفسية للطلبة.
يلعب أولياء الأمور دوراً محورياً في دعم الطفل خلال أول تجربة صيام، إذ لا تقتصر مسؤوليتهم على تشجيعه فحسب، بل تمتد إلى تهيئته نفسياً وجسدياً لضمان تجربة إيجابية ومتوازنة تحقق الاستقرار النفسي والتعلمي للطفل.
يؤكد محمد العوضي محمد الشحات، مشرف قسم التربية الإسلامية في مدارس الإمارات الدولية دبي، أن المعلم يشكل دوراً محورياً في تقديم مفهوم الصيام للأطفال بصورة تربوية تناسب أعمارهم، بعيداً عن أسلوب الإلزام أو التحدي.
يبدأ المعلمون بتهيئة الطلبة عبر شرح معنى الصيام وقيمه مثل الصبر والانضباط والشعور بالآخرين، مع التأكيد على أن الهدف ليس مطالبة الطفل بإكمال الصيام، بل مساعدته على فهم التجربة وتشجيعه بالكلام الطيب، فالشعور بالتقدير في هذه المرحلة يبني علاقة إيجابية بين الطفل والعبادة.
تلاحظ معلمة اللغة العربية رانيا محمد أن المدرسة تلاحظ سنوياً حماس الطلبة في «سنة أولى صيام»، ما يستدعي التعامل معهم بوعي تربوي يحافظ على توازنهم النفسي، وتحرص على مراعاة مستوى تركيزهم خلال الحصص من خلال تنويع أساليب الشرح وتقديم أنشطة تفاعلية تحافظ على الانتباه وتخفف عنهم الإجهاد.
محطة نفسية وتواصل الأسرة والمدرسة
يُشير المرشد الأكاديمي ياسر الأشقر إلى أن «سنة أولى صيام» تمثل محطة نفسية مهمة في حياة الطفل، تعزز شعوره بالانتماء للأسرة والمجتمع عندما يُعامل باحترام ويُشجّع على المحاولة، وتؤثر الضغوط أو المقارنة سلباً في ثقته ونموه، لذا تسهم المدرسة في توفير بيئة داعمة وفهم حالة الطلبة الصائمين، كما يتحمل ولي الأمر مسؤولية متابعة الحالة النفسية والاستجابة لإشارات التعب أو الإرهاق.
من جهة أخرى تؤكد التربوية رائدة فيصل أن أول دور لولي الأمر يتمثل في التعامل مع تجربة الصيام الأولى للطفل بتدرج ووعي، دون فرض توقعات تفوق قدرته، وأن الدعم النفسي والتشجيع المستمر يعززان ثقة الطفل ويجعلان التجربة أكثر استعداداً للتكرار في الأيام التالية، كما أن إشراك الطفل في تفاصيل الحياة اليومية خلال رمضان يمثل دوراً محورياً لإشعاره بأهمية الشهر ومعانيه.
وتشير إلى أن مشاركة الطفل في تجهيز مائدة الإفطار أو انتظار الأذان مع الأسرة تعزز ارتباطه بالتجربة وتجعله جزءاً من الحدث الأسري، كما تؤكد أن تنظيم نمط حياة الطفل خلال رمضان، خصوصاً النوم المبكر وتناول سحور متوازن، يخفف عن الطفل الإرهاق ويحافظ على نشاطه الذهني والقدرة على التركيز في المدرسة.
أوضح فضيلة الشيخ الدكتور ناصر بن عيسى البلوشي الزهراني أن صيام الأطفال في الشريعة قائم على مبدأ التدرج والتربية الإيمانية لا على الإلزام والتكليف، فلا يجب الصيام على الصبي حتى يبلغ، وهو ما يستدل عليه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة، وعن الصبي حتى يحتلم، وهو ما يعزز فكرة أن التدريب مع مراعاة القدرة هو الأساس.
يستحب أن يؤمر الطفل بالصيام إذا بلغ نحو سبع سنوات إن كان قادراً عليه، ويُشدّد عليه عند العاشرة من باب التربية والتأديب، مع التأكيد على عدم تكليفه بما يضره أو يشق عليه، فإن خيف عليه الضرر وجب فطره حفظاً لصِحته، وتراعي الشريعة مراحل النمو الإنساني فجعلت قبل البلوغ مرحلة إعداد وتربية، وبعده مرحلة تكليف ومسؤولية.








