يحدّد الباحثون البؤر الصرعية بأنها نقطة محددة داخل أحد نصفي الدماغ يبدأ منها نشاط كهربائي غير منضبط يؤدي إلى حدوث النوبة. ينشأ هذا النشاط من تجمع خلايا عصبية يختل توازنها في إرسال الإشارات، فيطلق شحنات متزامنة تؤثر على وظائف المنطقة التي انطلقت منها، وقد تمتد لاحقًا إلى مناطق أخرى. عندما تبقى النوبة محصورة ضمن نطاقها الأول، تسمّى نوبة بؤرية، وإذا انتشرت إلى الجانبين تحوّل إلى نوبة أشمل من حيث التأثير.
الفص الصدغي
يعد الفص الصدغي من أكثر المواقع ارتباطًا بالبؤر الصرعية. يختص هذا الفص بالذاكرة والانفعالات وفهم اللغة. عندما تنشأ النوبة من هنا، قد يسبقها إحساس تمهيدي قصير مثل شعور غريب في المعدة أو تغير مفاجئ في الإدراك. بعدها قد يبدو المريض شاردًا وغير متفاعل مع حركات تلقائية متكررة كتحريك الشفاه.
قد تستمر النوبات الصدغية لعدة دقائق، ويتبعها ارتباك واضح وتعب ملحوظ. قد يعاني المصاب من صعوبة في إدراك ما حوله لفترة قصيرة بعد انتهاء النوبة. قد تترك النوبة آثارًا زمنية تتنوع بين انخفاض اليقظة وتغيرات في الانتباه أو الذاكرة القصيرة.
الفص الجبهي
يملك الفص الجبهي دورًا في الحركة والتخطيط واتخاذ القرار. البؤر في هذه المنطقة قد تؤدي إلى حركات مفاجئة وغير متوقعة، أحيانًا تكون عنيفة أو سريعة. قد تظهر حركات متكررة بالساقين أو وضعيات جسدية غير اعتيادية. ما يميز هذا النوع أن مدته غالبًا أقصر من النوبات الصدغية، وقد تحدث أثناء النوم، مما يجعل التشخيص أحيانًا صعبًا ويؤخر العلاج.
تختلف الصورة الإكلينيكية للبؤرة الجبهي بحسب موضعها داخل الفص. قد تستمر النوبة عادة لبضع ثوانٍ إلى دقيقة، وتظهر خلالها حركات سريعة أو وضعيات جسدية غير مألوفة. قد تحدث أثناء النوم، ما يجعل التشخيص أحيانًا صعبًا ويؤخر العلاج.
الفص الجداري
يتحكم الفص الجداري في الإحساس الجسدي وتحديد موضع الجسم في الفراغ. إذا بدأت النوبة هنا، قد يشعر الشخص بتنميل أو وخز في جزء محدد من الجسد، أو بإحساس غير عادي بالحجم أو الشكل. يصف المرضى أحيانًا تغيرًا مفاجئًا في إدراك المسافات أو الاتجاهات.
تختلف الأعراض في هذا النوع بحسب نطاق البؤرة وتوزيع الإشارات. قد يترافق ذلك مع فقدان الإحساس في جانب واحد من الجسم أو مع تغيرات مكانية. تتطلب النوبات الجدارية عادة تشخيصًا دقيقًا للتمييز بينها وبين حالات أخرى.
الفص القذالي
يرتبط الفص القذالي بالرؤية. قد تظهر النوبات التي تنشأ هنا كوميض ضوئي، بقع ملونة، أو تشويش بصري عابر. أحيانًا يظن المصاب أن المشكلة تتعلق بالعينين بينما السبب نشاط كهربائي غير عادي في مركز الإبصار بالمخ.
قد تستمر هذه النوبات لبضع ثوانٍ إلى دقيقة، ثم يزول العرض مع ارتخاء في اليقظة. يطلب تقييم الطبيب تسجيل نشاط الدماغ وتقييم بنيوي للوصول إلى تحديد دقيق للمنطقة المعنية. يوضح التصوير العصبي طريقة ربط البؤرة بمناطق قابلة للتدخل أو تحفيز عصبي في الحالات المناسبة.
هل يمكن أن تنتشر البؤرة؟
يمكن أن يبقى النشاط الصرعي محصورًا في موضعه الأول، ولكنه في حالات أخرى ينتشر عبر الشبكات العصبية ليشمل نصفي الدماغ. عندها تظهر التشنجات العامة مع فقدان الوعي. الانتشار لا يعني أن البداية لم تكن موضعية، بل يدل على قدرة الإشارات غير المنتظمة على الانتقال عبر المسارات العصبية.
يعد فهم مسار الانتشار أساسًا لتحديد العلاج الأمثل. يمكن أن يستفيد بعض المرضى من أدوية مضادة للنوبات تعمل على تثبيت النشاط العصبي. في حالات محددة يلزم التدخل الجراحي عندما تكون البؤرة واضحة ومحصورة ويمكن الوصول إليها دون الإضرار بوظائف حيوية.
أسباب تكوّن البؤر
تتنوع العوامل المؤدية إلى نشوء بؤرة صرعيّة، فهناك إصابات قديمة في الرأس والتهابات الجهاز العصبي والسكتات الدماغية وأورام وتشوهات بنيوية خلقية. إلى جانب ذلك، يظل كثير من الحالات دون معرفة سبب واضح رغم الفحوصات الدقيقة. وقد تتفاوت هذه الأسباب من شخص لآخر.
لا يتيح الكثير من المرضى تبيان سبب محدد للبؤرة، لكن التقدير يشير إلى تأثيرات إصابات سابقة أو تغيرات في بنية الدماغ. يعمل الأطباء على ربط الصورة السريرية مع نتائج الفحوصات لتحديد المسار العلاجي. يظل الاكتشاف في بعض الحالات يعتمد على خبرة الفريق الطبي وتكامل النتائج.
كيف تُكتشف البؤرة؟
يعتمد تحديد موضع البداية على وصف دقيق لما يحدث قبل النوبة وأثنائها وبعدها. يساعد تخطيط الدماغ الكهربائي في تسجيل النشاط غير الطبيعي، وإن كان قد يكون طبيعيًا بين النوبات. في بعض الحالات يلزم تسجيل مطول أو مراقبة داخل وحدات متخصصة.
يستخدم التصوير بالرنين المغناطيسي للبحث عن التغيرات البنيوية التي تفسر وجود البؤرة. قد تساعد نتائج التصوير في ربط البؤرة بمناطق قادرة على التدخل الجراحي أو تقنيات التحفيز العصبي. يواصل الأطباء تقييم النتائج مع خيارات العلاج الملائمة.
أهمية تحديد الموقع
معرفة مكان انطلاق النوبة لا تقتصر على التشخيص فحسب، بل تحدد خيار العلاج أيضًا. يستجيب بعض المرضى لأدوية مضادة للنوبات التي تثبِت نشاط الدماغ وتمنع انتشار الإشارة. في حال كان بالإمكان الوصول إلى البؤرة جراحيًا دون إضرار بوظائف حيوية، قد يُطرح خيار التدخل الجراحي.
كما توجد تقنيات تحفيز عصبي تستهدف تقليل تكرار النوبات عندما لا تكفي الأدوية وحدها. يحتاج القرار العلاجي إلى تقييس دقيق للموقع وملاءمة الإجراء للوظائف العصبية للمريض. يشرف الفريق الطبي على اختيار الأنسب حسب حالة المريض.
ماذا يحدث بعد النوبة؟
بعد توقف النشاط غير الطبيعي، يمر المصاب بفترة إنهاك أو تشوش ذهني. قد يفقد القدرة على تذكر ما جرى قبل الحدث مباشرة، وهي مرحلة تعكس حاجة الدماغ لإعادة توازن الكهرباء. تختلف مدة التأثير وشدته من شخص لآخر.








