أدرك جراح كندي في أكتوبر 1920 أن عزل خلايا جزر لانجرهانس واستخلاص المادة المنظمة لسكر الدم قد يكون ممكنًا دون تدميرها. عرض فكرته على أستاذ الفسيولوجيا جون ماكلويد في جامعة تورنتو في 7 نوفمبر 1920، فوافق على تخصيص مختبر صيفي ودعم علمي، كما عيَّن له طالب الدراسات العليا تشارلز بست للمساعدة في قياس مستويات الجلوكوز. بدأ الفريق في إعداد تجربة تهدف إلى ربط القناة البنكرياسية في الكلاب لإضعاف الخلايا المفرزة للإنزيمات مع الحفاظ على جزر لانجرهانس نسبيًا. ثم استخلصوا المادة من البنكرياس وجرَّبوها بحقنها في كلاب أزيل بنكرياسها لإحداث حالة سكر تجريبية.
رغم الإخفاقات الأولية، ظهرت إشارات تحسن تدريجيًا في نوفمبر 1921 عندما تمكن الفريق من إبقاء كلب مصاب بالسكري على قيد الحياة لمدة سبعين يومًا باستخدام المستخلص الجديد. أظهر القياس أن السكر في الدم انخفض بشكل واضح بعد الحقن، ما أشار إلى وجود تأثير دوائي حقيقي. لكن المستخلص لم يكن نقيًا بما يكفي، فكان الخوف من تفاعلاته المحتملة مع البشر يفرض مزيدًا من التطوير. أقنع الفريق بأن الإتاحة الآمنة للعلاج تستلزم بيئة بحثية متخصصة وتعاونًا بين فسيولوجيين وكيميائيين.
تنقية الأنسولين
انضم الكيميائي الحيوي جيمس كوليب إلى الفريق في ديسمبر 1921 ليعمل على تنقية المستخلص وجعله صالحًا للاستخدام البشري. طور طريقة أكثر نقاوة وتركيزًا من الأنسولين من بنكرياس الأبقار، ما مهد الطريق لإنتاج أشكال أنقى وأكثر أمانًا. أثبت التحسن الجديد أن الدواء قد يصبح قابلاً للاستخدام الآمن في البشر مستقبلًا.
في 11 يناير 1922 دخل ليونارد طومسون، الفتى الكندي البالغ من العمر 14 عامًا، التاريخ كأول مريض يتلقى حقنة أنسولين. واجهت الجرعة الأولى تفاعلًا موضعيًا بسبب شوائب المستخلص، فاستمر الباحثون في تحسين النقاء. وفي 23 يناير 1922 تلقى ليونارد جرعة ثانية فهبط سكر الدم إلى مستويات شبه طبيعية دون آثار جانبية تُذكر للمرة الأولى.
الإعلان عن الاكتشاف وبراءات الاختراع
أعلن ماكلويد في 3 مايو 1922 أمام الجمعية الأمريكية للأطباء في واشنطن النتائج رسميًا، واستخدم لأول مرة مصطلح الأنسولين. في يناير 1923 حصل بانتيـنج وبست وكوليب على براءات الاختراع الأمريكية للأنسولين، لكنهم باعوها للجامعة مقابل دولار واحد لكل منهم. قال بانتيـنج: “الأنسولين ليس ملكي وحدي، بل هو ملك للعالم” تعبيرًا عن رغبته في إتاحة الدواء للمرضى دون احتكار.
الإنتاج والتأثير المستقبلي
بدأت شركة Eli Lilly إنتاج الأنسولين تجاريًا في عام 1923. وفي أكتوبر من ذلك العام، منحت جائزة نوبل في الطب لبانتينج وماكلويد، وتشارك كوليب مع ماكلويد في التقدير وفق الجهة المعنية. لم يقتصر أثر الاكتشاف على إنقاذ المرضى بل فتح باب الأبحاث في السكري، وتطورت أساليب تقديم الأنسولين من الحقن إلى الأقلام والمضخات الذكية، وظهر نوعان من الأنسولين طويل وقصير المفعول.








