تؤكد مؤسسة دبي للمستقبل في تقريرها “مستقبل الطاقة: الطاقة الشمسية الفضائية” أن استمرار الابتكار في مكونات الطاقة الشمسية الفضائية، مدعوماً بتمويل مستدام لإجراء تجارب واسعة النطاق، سيضيق الفجوة بينها وبين مصادر الطاقة المنافسة، ما يمهّد لإقامة سوق عالمي قد تبلغ قيمته نحو تريليوني دولار بعد عام 2050 ويجعل من الطاقة الشمسية الفضائية ركيزة رئيسية في مزيج الطاقة العالمي لعقود مقبلة.
يستعرض التقرير أبرز التحديات التقنية والفرص الاستثمارية الواعدة في هذا القطاع الناشئ، الذي يثير اهتمام الحكومات والشركات الكبرى عالمياً، ففي ظل تسارع الطلب العالمي على الطاقة وتكثيف الدول لجهودها في البحث عن مصادر نظيفة ومستدامة، تبرز الطاقة الشمسية الفضائية كحل استراتيجي واعد قد يعيد تشكيل مشهد الطاقة خلال العقود القادمة.
يوضح التقرير أن هذه التقنية، التي تعتمد على جمع الطاقة الشمسية خارج الغلاف الجوي ثم نقلها لاسلكياً إلى المحطات الأرضية، تواجه مجموعة من التحديات الهندسية واللوجستية، وفي الوقت نفسه تفتح آفاق واسعة للاستثمار والابتكار.
وتشير تقديرات وكالة الفضاء الأوروبية إلى أن قمراً صناعياً شمسياً واحداً قادر على توليد نحو 2 جيجاوات من الطاقة المستمرة، وهو ما يعادل إنتاج محطة نووية تقليدية، مما قد يضاعف الطلب العالمي على الكهرباء ثلاث مرات بحلول 2050 مع أن نحو 90% من هذا الطلب سيكون من مصادر متجددة.
ويبيّن التقرير أنه مع تصاعد التحديات العالمية المرتبطة بالطاقة واستمرار نمو الطلب عليها، شرعت دول ومناطق، مثل أوروبا، في استكشاف تقنيات الطاقة الشمسية الفضائية واتخاذ خطوات عملية لتطويرها.
كما تعمل دول أخرى، من بينها الصين واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب جهات رائدة في القطاع الخاص، على تعزيز جهود البحث والتطوير وإجراء التجارب العملية في هذا المجال.
ميزة استراتيجية
وتبرز الطاقة الشمسية الفضائية بقدرتها على توفير مصدر طاقة نظيف ومستدام وغير محدود، وبفضل موقع الأقمار الاصطناعية الأقرب نسبياً إلى الشمس، فإن جمع الطاقة في الفضاء يتم بكفاءة أعلى بكثير مقارنة بجمعها على سطح الأرض.
كما تتميز بقدرتها على توفير طاقة نظيفة ومستمرة دون انقطاع، متجاوزةً تحديات التقطع التي تواجه الطاقة الشمسية الأرضية وطاقة الرياح، كما أنها لا تحتاج إلى أنظمة تخزين ضخمة أو شبكات نقل معقدة، ويمكن توجيه الطاقة إلى مناطق نائية وغير متصلة بالشبكات الكهربائية، مما يفتح أسواقاً جديدة وواعدة.
وذكر التقرير أن مفهوم الطاقة الشمسية الفضائية ليس جديداً، بل كان محور دراسات كبرى لوكالات فضاء عالمية على مدى سنوات، ويشهد اليوم زخماً غير مسبوق مدفوعاً باندفاعين عالميين رئيسيين: الأول يتمثل في التقدم التكنولوجي اللافت في تقنيات الفضاء وتحسن الجدوى الاقتصادية، والآخر في الحاجة الملحة إلى مصادر طاقة قابلة للتوسع لمعالجة أمن الطاقة وتلبية التزامات المناخ والوفاء بالتحديات الدولية.
تحديات رئيسية
وتحدد الفقرات الأربع التحديات الرئيسية التي تواجه توسيع هذا القطاع، وهي الإطلاق والتجميع المداري حيث يتطلب نشر أقمار طاقة شمسية كبيرة مئات الأمتار وآلاف الأطنان تطوير أنظمة روبوتية دقيقة لتجميعها في الفضاء بلا تدخل بشري، وعلى الرغم من انخفاض تكاليف الإطلاق بسبب الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، يبقى هذا التحدي قائماً.
كفاءة وسلامة نقل الطاقة لاسلكياً، إذ تعتمد المنظومة على تحويل الطاقة إلى موجات ميكروويف أو أشعة ليزر ونقلها لمسافات تصل إلى نحو 36000 كيلومتر قبل تحويلها مجدداً إلى كهرباء على الأرض، ويمثل التحدي تقليل خسائر الطاقة في كل مرحلة وتحسين كفاءة الترددات اللاسلكية والالتزام بمعايير السلامة لحماية البشر والبيئة.
إدارة الحرارة في الفضاء، فالتخلص من الحرارة الزائدة يعدّ تحدياً كبيراً نظراً لأن التبريد يتم عبر الإشعاع الحراري فقط، وتراكم الحرارة يؤثر في كفاءة التشغيل وقد يتسبب في أضرار للمعدات، ما يستدعي حلولاً مبتكرة توازن بين جمع الطاقة والتبريد الفعال.
تحدي الحطام الفضائي ونهاية العمر التشغيلي، حيث يشكل الحجم الكبير لأقمار الطاقة الشمسية خطراً في بيئة مدارية مزدحمة، وقد تتسبب الاصطدامات حتى مع أجسام صغيرة في أضرار جسيمة، كما أن خطط التعامل مع الهياكل عند انتهاء عمرها التشغيلي لا تزال في مراحلها الأولى وتحتاج أطر تعاون دولي صارمة.
سباق عالمي
ويكشف التقرير عن تنافس دولي متسارع لتطوير هذه التقنية، حيث تتبنى الصين واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا برامج طموحة بجداول زمنية قريبة، فتهدف اليابان إلى تنفيذ تجربة نقل الطاقة من الفضاء إلى الأرض بحلول عام 2025.
وتخطط الصين لإطلاق مشروع تجريبي بقدرة الكيلوواط بين 2026 و2028، وتسعى المملكة المتحدة لإطلاق نظام تجريبي فضائي للطاقة الشمسية الفضائية بحلول 2030، كما يمثل هذا السباق فرصاً استثمارية واعدة على مستوى العالم.
ويسعى التقرير إلى الإشارة إلى أن الطاقة الشمسية الفضائية تشكل فرصة تحول إستراتيجية لا يمكن تجاهلها، إذ تتيح مصدراً نظيفاً ومستداماً وتفتح آفاق واقع اقتصادي وسياسي جديدين، وتبدأ حكومات وشركات ذات رؤى استشرافية باستثمار تقنياتها مدفوعة بأهداف مرحلية ومكاسب استراتيجية بعيدة المدى.
ويتوقع أن يصبح هذا القطاع من أهم مصادر الطاقة في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين، وفي ظل مبادرات الدول الكبرى، يزداد زخم هذا القطاع وتتعاظم قابليته للنمو بشكل ملموس.
كما يلعب القطاع الخاص دوراً محورياً من خلال الاستثمار المباشر والمساهمة في تطوير التقنيات، بينما تركز البرامج الحكومية على الأهداف الوطنية بعيدة المدى، وتؤكد مشاركة الشركات الخاصة وجود فرص تجارية حقيقية على المدى القريب، ما يمهد الطريق لإحياء صناعة طاقة جديدة ذات بُعد عالمي.








