علياء سعيد
أحاول أن أكتب اليوم وجهة نظري كمقيمة في هذا البلد، ولأخبر العالم بشكل تفصيلي كيف نفكر، ومن أين أتت هذه الظنون.
من عاش في الإمارات أو حتى زارها، يعرف ماذا يعني القانون والانضباط والأمان، والخدمات التي لا تستطيع أن تراها أو تتخيلها في أي مكان آخر في العالم. وهذه، والله، لاحظتها فقط في دول الخليج، ولكن بنسب متفاوتة.
لن أتغزل بالإمارات كولد مبهور،
سأقول حقيقة ما أراه وأشعر به مع كثيرين من حولي.
نحن نثق بإدارة هذا البلد لسبب بسيط، وهو أننا نعيش تحت هذا النظام منذ سنوات، برخاء وسعادة واستقرار.
لا يوجد شيء جميل حول العالم لم يجلبه الإماراتيون إلى شوارعنا وبيوتنا وأماكن عملنا.
هذا البلد جعلني أحلم بشكل كبير، وأبدأ مشروعي الذي، والله، لو لم أكن هنا لما تجرأت حتى على البوح به، ولتركته فكرة تموت داخل رأسي.
هنا تعلمت أنه ليس للحلم سقف،
فهناك دولة ستدعمك، ومستثمرون يثقون بالقانون الذي سينصفهم، وأمان يجعل استثمارهم آمناً.
لكن،
الحرب دقّت طبولها، وهنا سأتحدث كمشاهدة مدنية عاشت الحرب السورية بكل تفاصيلها.
لا تعرف معنى أن تنام في بلد وأنت تثق أن ولاة الأمر سيفعلون أفضل ما يمكن لتخرج من هذه الأزمة سالماً أنت ورزقك ومستقبلك، حتى تكون مقيماً هنا.
عسكرياً،
لا أنكر، ولا ينكر العالم أجمع، أننا صُعقنا بكمية الحرفية والتحضير التي فاجأتنا بها الإمارات.
استعدّت للحرب قبل الاستثمار،
وضعت خططاً ونفّذتها، وتعاملت معنا ككنز تودّ بكل ما فيها المحافظة عليه.
الاستعداد العسكري مبهر، وأنا أقصد ما أقول حرفياً:
طبقات الصدّات، والتدريب، والتهيئة،
التنبيهات، والشفافية في نقل الأخبار،
وشعورنا بأننا سنكون بخير لمجرد أن نلتزم بما توصي به الدولة.
هذه الثقة، يا سادة، لا تُشترى،
إنها مبنية على سنوات من التعامل مع الشرطة ومؤسسات الدولة والرؤية الاقتصادية.
اقتصادياً،
لقد بُني هذا البلد برمش العين.
كل ما فيه جميل ومدروس ومنظّم ومخطط له،
كل قرار، كل خطوة، كل شيء حرفياً.
وهذا، والله، موضع أطماع لكل الكرة الأرضية، حيث أصبحت اليوم الإمارات الوجهة المثالية لرؤوس الأموال، وللوافدين كعرب وأجانب.
بالمقابل، إيران المنبوذة التي يرى شعبها دول الخليج تزدهر أمام عينيه وتأخذه كعامل إليها،
بينما بلده، الضارب بالقدم، والذي يملك مقدرات توازي مقدرات الخليج، غارق في الفقر والعقوبات والتهميش، ومدّعي الوطنية والمقاومة، والمتشددين الطارئين على تاريخ حضارتهم الرائعة.
هذا كله موضع حسد، نعم.
جزء من هذه الحرب هو الحسد، شاء من شاء وأبى من أبى.
هناك من لا يريد للخليج أن يكبر ليصبح مكاناً أفضل منهم،
فيهدمون شوارعه وبناه التحتية التي كلفت مليارات،
واقتصاده الذي يغير في المنظومة الاقتصادية العالمية،
والرفاهية التي يعيشها من في داخل أراضيه، في الوقت ذاته الذي يغرق فيه العالم بمنظومات عاجزة، لا تستطيع أن تُصلح شارعاً إلا بامتصاص دم المقيمين فيه بضرائب لا يتحملها عقل.
في الخليج، كل شبر بُني بجمال، وصُرف عليه رؤية ومال ووقت وجهد،
فهو استثمار مكلف.
أما في دول غارقة في الفساد، والطرقات المحفّرة التي ترجُو أن تخرج سيارتك منها سالمة، فلا يهمها إن هُدمت أم لا،
فهي مهدّمة أصلاً بفعل فساد إدارتها منذ عشرات السنوات.
إعلامياً،
ما هذا الإبداع يا شباب؟
لقد أُديرت هذه الأزمة بأيدٍ إعلامية علينا أن نكون ممتنين لها.
هناك حروب كاملة خُسرت ليس بسبب انهزام جيوشها، بل بسبب الإعلام!
والإعلام الإماراتي كان وحيداً في مواجهة أعتى الأنظمة الإعلامية، العالمية منها والشعبية (السوشيال ميديا)، التي حاولت—مدفوعة من حكوماتها أو منظمات أخرى أو بسبب الفكر العقائدي—بث الرعب، لجعل الإمارات تخسر اقتصادياً ومستقبلياً قدر الإمكان.
يتحدثون عن هزيمة عسكرية غير موجودة في الواقع،
وعن عدد ضحايا (رحمهم الله) لا يتجاوز عدد حوادث السير في أي بلد في يوم عادي،
وعن دمار اقتصادي، ونحن لم نفقد مادة من الأسواق، والأسعار تحت السيطرة بشكل عجيب لا نراه في أي مكان حدث فيه ربع ما حدث في الإمارات.
مدراء الإعلام في الإمارات أثبتوا أنهم يعرفوننا كشعب ومقيمين،
طمأنونا من خلال نقاط القوة التي يعرفون أننا نؤمن بها،
وبذلك قلّلوا الخسائر التي يسببها فزع السكان إلى الصفر تقريباً،
حيث لم نرَ أو نسمع بشخصين تشاجرا من الفزع أو للحصول على مادة معينة داخل السوبرماركت، كما يحدث في جميع الأزمات حول العالم.
نزل الحكّام إلى شوارعنا، وقالوا إن ما يحدث لنا سيحدث لهم.
نعم، إنها شوارعنا وحدائقنا وبلدنا،
نحن وأبناؤنا من ننعم بها، وليست حكراً على مجموعة من المرتزقة أو أبناء الحكام.
اليوم لن يهجم وافد أو مواطن على حديقة ليكسر مقاعدها، أو على إشارة مرور لينتشلها من الأرض،
فهي له ولأبنائه، وليست لأحد سواه، وهو نفسه لن يسمح لأحد بالمساس بأمانه.
هذا ما كان الإعلام واعياً له، واستخدمه بذكاء، فزاد شعورنا بأننا بخير.
هناك ثقة بمؤسسات الدولة لا تُشترى،
وهناك ولاء في قلوبنا لم يجبرنا أحد عليه.
هذه البلدان للخليجيين، ولنا معهم،
نحبهم ويحبوننا، وكلنا تحت سقف القانون سواسية.
نحب هذه الأرض، ونثق بأن من يديرها سيفعل أفضل ما يمكن لنظل بخير.
قلت ما في قلبي،
وأرى أن هذا الاختبار سيزيد ثقة المستثمرين بعد هذه الأزمة،
فهذا التفوق والهدوء والحكمة في إدارة الأزمات هو ما يحتاجه أي مستثمر ليقوم باستثماره.
يريد الثقة بأنه سيكون هو ورزقه بخير إن أتت سنين عجاف،
وبأن من سيحملون هذه السنين على ظهورهم يعرفون ماذا يفعلون.
السلام كل السلام لأرض الخليج،
وللإمارات، أرضي وأهلي وعزوتي






