رئيس التحرير: حسام حسين لبش
مدير التحرير: علي عجمي

حين تهزم ذاكرة الطفولة كل خرائط الكبار

شارك

الكاتب حسام حسين لبش

ثمة أسئلة نطرحها أحياناً على أطفالنا بدافع الدعابة، لكنها سرعان ما تتحول إلى مرآة صادقة تكشف ما في داخلهم من يقين لا يتزعزع. سألت أبنائي مرة، وأنا أبتسم: “سنعود إلى وطننا يوماً ما، أليس كذلك؟” فجاء الجواب سريعاً، حاسماً، خالياً من أي تردد: “لا وطن لنا سوى الإمارات.”

لم يكن جواباً عابراً، ولا جملة مكررة. كان إعلان انتماء… انتماء لا تصنعه الأوراق الرسمية، ولا تحدده الخرائط، بل تنسجه التفاصيل الصغيرة التي تراكمت في وجدانهم منذ الطفولة.
أدركت حينها أن الوطن، في نظر الطفل، ليس فكرة مجردة ولا سردية تاريخية، بل هو ما عاشه بكل حواسه: هو المدرسة التي حفظ فيها أول حرف، والممرات التي ركض فيها بين الحصص، والمعلمة التي نادت اسمه بمحبة. هو المنتزه الذي تعلم فيه ركوب الدراجة، والمقعد الذي جلس عليه يشارك صديقه قطعة شوكولاتة، والسماء التي رفع إليها عينيه في أول مرة سأل فيها:

لماذا الطائرات لا تسقط؟

أطفالي، كغيرهم من أطفال هذا البلد، لا يعرفون “الوطن” كما نعرفه نحن الكبار. لا يعرفونه كحنينٍ إلى الماضي، ولا كخريطةٍ نحملها في ذاكرتنا. هم يعرفونه كحاضرٍ كامل… كحياة يومية متكاملة، كأمانٍ ملموس، كإيقاعٍ مألوف. يعرفون رائحة الصباح هنا، وضجيج الطرقات، ولهجة الناس، ونبرة الأذان، ودفء التفاصيل.
حين يقولون إن الإمارات وطنهم، فهم لا ينطقون بشعار، بل يصفون حقيقة عاشوها. فالوطن بالنسبة لهم ليس حيث وُلد الآباء، بل حيث وُلدت ذاكرتهم.
أتأمل أصدقاءهم أيضاً، أولئك الأطفال الذين ينتمون إلى جنسيات متعددة، لكنهم يتشاركون الإحساس ذاته. تراهم يلعبون معاً بلا حواجز، يتحدثون بلغات مختلفة لكن بضحكة واحدة، يختلفون في الأسماء، ويتشابهون في الانتماء. بالنسبة لهم، الإمارات ليست مجرد مكان إقامة، بل مساحة حياة شكلتهم، وصاغت وعيهم، واحتضنت أحلامهم الأولى.

أحدهم قال يوماً : “حين أكبر، سأبقى هنا… لأن كل شيء أعرفه هنا.” جملة بسيطة، لكنها تختصر فلسفة الانتماء في أعمق معانيها. الإنسان لا ينتمي إلى حيث يجب أن يكون، بل إلى حيث يشعر أنه كان دائماً.

وهنا تبدأ الحيرة التي لا يعترف بها الكبار: كيف يمكن أن نطلب من طفل أن يترك وطنه… بينما هو لم يعرف وطناً غيره؟ كيف نقنعه أن هناك “مكاناً آخر” ينتمي إليه، وهو لم يختبر فيه ضحكة، ولا دمعة، ولا لحظة خوف، ولا لحظة أمان؟

الوطن بالنسبة لنا قد يكون خياراً، أو واجباً، أو حتى قدراً. أما بالنسبة لهم، فهو شعور خالص، لا يقبل المساومة.

أجد نفسي أحياناً ممزقاً بين حقيقتين: حقيقة الماضي الذي أنتمي إليه، وحقيقة الحاضر الذي ينتمي إليه أطفالي. بين ذاكرة أحملها أنا، وذاكرة يصنعونها هم. وبين سؤال الهوية الذي يشغل الكبار، ويقين الانتماء الذي يسكن قلوب الصغار.
لكن ربما… الحقيقة الأبسط هي الأصدق.

ربما الوطن ليس مكاناً واحداً، بل طبقات من الانتماء. وربما نحن نحمل أوطاننا في داخلنا، بينما يصنع أطفالنا أوطانهم حولهم. وربما، في نهاية الأمر، لا يكون السؤال: “أين وطننا؟” بل “أين وجدنا أنفسنا؟”
في تلك اللحظة التي قال فيها أبنائي: “لا وطن لنا سوى الإمارات”، لم أشعر بأنهم يبتعدون عن جذوري، بل شعرت أنهم يرسخون جذورهم الخاصة. جذوراً نمت في أرض منحتهم الأمان، ومنحتني سبباً إضافياً للبقاء.
كيف لي أن أعارض هذا الإحساس الطفولي؟ كيف أجادل براءة ترى ما لا نراه، وتدرك ما نتجاهله؟
أحياناً، يكون علينا أن نتعلم من أطفالنا… لا أن نعلمهم.
أن نصدق أن الانتماء ليس قراراً يُتخذ، بل شعور يُولد. وأن الوطن الحقيقي هو ذاك الذي حين نفكر بمغادرته… نشعر أننا نغادر جزءاً من أنفسنا.
لأجلهم… لأجل تلك العيون التي ترى الإمارات بيتاً، لا محطة… أبقى.
لا لأنني لا أملك خياراً، بل لأنني وجدت في اختيارهم معنىً أعمق للبقاء.

مقالات ذات صلة