انطلقت الأسرة من دبي في صباح الاثنين الماضي باتجاه مستشفى برجيل في الشارقة، وهي رحلة علاج لشاب يدعى ياسين، يبلغ من العمر واحداً وعشرين عاماً، يقاتل سرطاناً استوطن عظامه قبل عامين ثم تسلّل إلى رئتيه.
كانت السماء تمطر بغزارة، والدوام بعد عيد الفطر بدأ يخلق أزمة مرورية؛ مضت ثلاث ساعات لم تتحرك فيها السيارة إلا أمتاراً قليلة، فيما كان ياسين يصارع عدويْن في آن واحد: السرطان، وهبوط سكر الدم من النوع الأول وهو صائم للاستعداد للجلسة العلاجية.
الموكب الإنساني يحول الزمن إلى أمل
داخل السيارة بدأ شحوب وجه ياسين يشي بالخطر، وقلق الأم ينهش قلبها، والعجز يثقل يدي الأب. وفي لحظة يأس لمح الوالد دورية شرطة الشارقة تقف تحت المطر تراقب حركة السير. ترجل الأب مسرعاً، والماء يغمر ثيابه، ولم يطلب المستحيل بل رجاءً أن يجد مخرجاً يختصر دقائق باتت حياتهما عليها. لكن عين القانون لم ترَ كلمات فحسب؛ رأى الشرطي في عيني الأب هلعاً لا تداويه الإرشادات، وبلمحة تحول من منظم سير إلى قائد لموكب إنقاذ.
وبلمحة قال الشرطي: “اتبعني”، فكان ذلك طوق النجاة الذي اختصر الطريق؛ انطلقت الدورية تشق عباب الزحام وبفطرة ميدانية وقراءة للموقف استدعى الشرطي سيارة إسعاف في لحظات.
تصف الأم المشهد بذهول: “نزل ياسين بحقيبته وهدوئه المعتاد، صعد إلى الإسعاف، وفجأة وجدنا أنفسنا في موكب مهيب؛ وصافرات الإسعاف تفتح لنا قلوب الطريق قبل مساراته”. الطريق الذي استهلك ثلاث ساعات من الانتظار طوي في عشر دقائق فقط تحت أزيز الصافرات ودعوات الوالدين.
زيارة رسمية وتأكيد للأمل
لم تنتهِ القصة عند أبواب المستشفى، فبعد وصول ياسين وتثبيت حاله استكمل رجال الشرطة واجبهم الذي لا تنص عليه اللوائح، بل تمليه القلوب. ففي ظل العلاج فوجئت الأسرة بزيارة رسمية لوفد من شرطة الشارقة، حاملين معهم الورود وكلماتٍ أثقلت من ثقلها على الأم. لم تكن هذه اللفتة مجرد بروتوكول، بل ترميماً لنفسية شاب أرهقه الكيماوي. تقول الأم، والدموع تهمس في عينيها: “لقد شعر ياسين بإحساس كبير من الراحة النفسية على خلاف وضعه عند خروجنا من المنزل”.
عادت الأسرة إلى منزلها وهي تحمل قصة لن تمحوها السنون: قصة عن دولة لا تسأل عن الجنسية حين تنادي الإنسانية، وعن شرطة جعلت من بذلتها حصناً للأمل. واليوم يرقد ياسين على سرير الشفاء، متسلحاً بذكريات ذلك اليوم الذي انقشع فيه ضباب الزحام عن وجوه مبتسمة، وأكد له أن الخير هو المسار الذي لا يزدحم أبداً.








