تؤكّد الحرب الإيرانية الأمريكية أن الصراع لم يعد مجرد أزمة جيوسياسية تتجلى في النفط وخطوط الشحن، بل بدأ يؤثر بشكل متزايد في مسار الذكاء الاصطناعي نفسه. وتُظهر الصدمة المباشرة على بنى البيانات في الخليج تطورًا أقوى عندما تمتد إلى الاقتصاديات والهيئات التي تدير هذه التقنية. وتؤدي هذه التطورات إلى تحويل الطاقة من مجرد مدخل إلى قيد استراتيجي يؤثر في الحصول على حوسبة مستقرة وبأسعار معقولة في بيئة جيوسياسية مضطربة.
صدمة الطاقة وتكلفة الذكاء الاصطناعي
تكمن الطاقة في صميم هذا الاضطراب، فالنظم الحديثة للذكاء الاصطناعي تعتمد على مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء. وتُشير تقارير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الحرب قد يعرقل ازدهار الذكاء الاصطناعي عبر زيادة تكلفة الحوسبة. وتُعدّ زيادة تكاليف الطاقة عاملاً رئيسيًا في جدوى التدريب والنشر للنماذج الكبيرة، ما يجعل وفرة الطاقة واستقرارها شرطين أساسيين لاستمرارية النمو.
وبحسب توقعات وكالة الطاقة الدولية، كان من المتوقع أن تستحوذ مراكز البيانات على نحو نصف نمو استهلاك الكهرباء النهائي في الولايات المتحدة بين عامي 2025 و2030، وهو دعم لتسارع توليد الطاقة من الغاز. كما يشير تقرير لصحيفة فايننشال تايمز إلى هشاشة نموذج نمو الذكاء الاصطناعي أمام صدمات الطاقة، محذرًا من أن الحرب قد تقوض هذا الافتراض الأساسي. وتوضح تقارير بلومبيرغ أن اضطرابات الطاقة قد تقسم عالم الذكاء الاصطناعي إلى مناطق قادرة على دعم الحوسبة واسعة النطاق وأخرى غير قادرة على ذلك.
سلاسل التوريد تحت ضغط
إلى جانب الطاقة، تلقي الحرب بظلها على سلاسل التوريد المادية التي تدعم تطوير الذكاء الاصطناعي. وتربط تقارير بأنواع مثل الهيليوم الضروري لصناعة أشباه الموصلات بها، وتفاقم الحرب من خلال ارتفاع تكاليف الشحن وخدمات اللوجستيات الصناعية وتسبب تأخيرات في منظومة الأجهزة. وتتسع هذه الاضطرابات تؤدي إلى زيادة تكلفة إنتاج أشباه الموصلات ونقص وحدات معالجة الرسومات وطول فترات إنشاء مراكز البيانات الجديدة.
ومن ثم فإن أثر هذه الاضطرابات قد يمتد إلى الاقتصاد ككل، نظراً إلى أهمية البنية التحتية الرقمية في النمو الاقتصادي. تُبرز هذه الأزمة أن طموحات الذكاء الاصطناعي ليست مجرد مسألة خوارزميات ورقائق بل تعتمد بنية تحتية مادية حساسة للصدمات الجيوسياسية. إن تواصل التوسع في الاعتماد على هذه التقنية يتطلب استقراراً في الإمدادات والتكاليف والقدرات اللوجستية العالمية. وتؤكد هذه المطاف أن سلاسل الإمداد تشكل عنصراً حاسماً في قدرة الدول والشركات على تنفيذ مشاريع الذكاء الاصطناعي بنجاح.
التردد في الاستثمار وتباطؤ النمو
إذا كانت التكاليف المتزايدة تمثل جانبًا من القصة، فإن تراجع الثقة يمثل الجانب الآخر، فقد أظهرت تقارير أن الشركات بدأت التريث في استثماراتها وسط حالة من عدم اليقين. ويظهر هذا التردد بشكل خاص في الإنفاق المؤسسي حيث تكون مشاريع الذكاء الاصطناعي ضخمة وطويلة الأجل. كما أشارت تقارير إلى أن العملاء العالميين يؤجلون قراراتهم حول مشاريع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ما يؤدي إلى تباطؤ توقعات النمو لشركات خدمات تكنولوجيا المعلومات.
وحسب ما ورد، يعود التأجيل إلى إعادة تقييم الجداول الزمنية والميزانيات بدل التخلي عن الذكاء الاصطناعي نفسه، وهو فرق مهم فالتباطؤ ناجم عن عدم اليقين حول التكاليف والعوائد والمخاطر الجيوسياسية، وليس عن فقدان الثقة بالتقنية نفسها. وتؤكد هذه التطورات أن منحنى التبني قد يتأثر ولكنه لا ينهار، وأن الحرب قد تؤخر بعض الاستثمارات إلى وقت لاحق.
تفتت المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي
أبرز أثر محتمل هو التفتت الذي قد يعزز فرصاً لتقسيم طفرة الذكاء الاصطناعي إلى مناطق إقليمية متميزة تصل إلى مستويات متفاوتة من الوصول إلى الطاقة ورأس المال والاستقرار السياسي. وتؤدي هذه التفرقة إلى ظهور أنظمة بيئية محلية أقوى في بعضها وأضعف في أخرى، وهو ما تلاحظه تقارير فايننشال تايمز التي تحذر من أن التوترات الجيوسياسية قد تعرقل الشبكات العالمية المتكاملة التي دعمت تقدم القطاع. وتبرز تداعيات التفتت إلى اتساع فجوات الوصول وتغير أولويات الحكومات نحو تعزيز القدرات المحلية أو تنظيم تدفقات البيانات عبر الحدود.
وتشير صورة الأسواق إلى أن أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات تشهد تقلبات حادة تعكس إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بنمو الذكاء الاصطناعي في ظل التطورات الشرق أوسطية، وهو دليل على أن الاعتماد على الطاقة وسلاسل التوريد والبنية التحتية قد يصبح عاملاً فاصلًا في المسار المستقبلي للقطاع. وبحسب هذه الرؤية، لن يكون النمو في الذكاء الاصطناعي بالضرورة موحدًا لكنه سيظهر تفاوتًا قويًا بين مناطق العالم نتيجة لتفاوت الاستقرار والسياسات والقدرات المحلية.
نظام الذكاء الاصطناعي العالمي التنافسي
تكشف هذه الصورة عن نظام ذكاء اصطناعي عالمي تنافسي يواجه أسئلة جديدة، فالصراع يبرز مخاطر بنية تحتية مركّزة في عدد محدود من المناطق وقد يوجه الاستثمار نحو تعزيز الاستقلالية وسلاسل التوريد المحلية. وتثبت تقارير أن حدة التقلب في أسواق التكنولوجيا تعكس حالة عدم اليقين المحيطة بالشرق الأوسط، وأن الاعتماد على الطاقة والهشاشة اللوجستية وتركز البنية التحتية قد يحد من النمو المستقبلي للمجموعة. ويؤكد ذلك أن مستقبل الابتكار لا يقتصر على الابتكار وحده بل يعتمد أيضًا على استقرار الأسواق والقدرات الاستراتيجية للدول.
وبينما يواصل قطاع الذكاء الاصطناعي النمو، فإن مساره المتوقع قد يكون أسرع في بعض المناطق وأبطأ في أخرى، مع احتمال أن يظهر في هذا القطاع نمط تفاوت أقوى يتقاطع مع مؤشرات السياسة والتمويل والاستقرار الجيوسياسي. وتظل النتائج غير حاسمة، فالصراع ليس مجرد اضطراب عابر بل يضع معالم جديدة لآليات النمو وتوزيع الفرص، ويتطلب من الدول وشركات التقنية إعادة النظر في أساليب الاعتماد على الطاقة وسلاسل التوريد والاعتماد على الأسواق العالمية المفتوحة. وبناءً عليه، يبدو أن الذكاء الاصطناعي قد يمر بمرحلة لا يسجّل فيها نموه بشكل موحد بل يتشعب وفق أسس جيوسياسية، مع وجود فائزين وخاسرين تبعًا للظروف العالمية.








